ماليزيا… والسياسات الرشيدة

ماليزيا… والسياسات الرشيدة

بقلم: صلاح لطفي  سبتمبر 2024م | زمن القراءة: 5 دقائق

هيكلة السياسات الرشيدة

استطاعت الحكومات التي تبنت العقلانية والرشادة في سياساتها تحقيق مستويات متقدمة في مسارات التنمية المستدامة. ويتطلب تحقيق التكامل بين السياسات العامة والرشادة تبني سياسات قطاعية متخصصة، مع تعزيز الترابط الأفقي بين القطاعات المختلفة Cross-cutting، من خلال جهد تشاركي في مواجهة التحديات وصنع القرارات.

وتقوم حوكمة السياسات العامة وترشيدها على عدد من المرتكزات الأساسية، من أهمها:

  1. دعم مؤسسات الفكر والبحث العلمي:
    وجود مراكز الفكر ومؤسسات البحث العلمي التي تسهم في تنوير الرأي العام، وتوفر المعرفة والتحليل اللازمين لصنع السياسات العامة ومراقبة نتائجها.
  2. ترسيخ سيادة القانون:
    بحيث تعمل الإدارة العامة في إطار قانوني واضح، ويُنظر إلى مستخدمي النظام الحكومي باعتبارهم أصحاب حقوق، يحق لهم الحصول على الخدمات ومساءلة الجهات الحكومية.
  3. غرس الأخلاقيات والنزاهة:
    من خلال تعزيز السلوك الإيجابي المنسجم مع قيم المؤسسات، ووضع سياسات واضحة للشفافية والنزاهة والمساءلة.
  4. الإشراف على النتائج:
    فالسياسة الرشيدة لا تتوقف عند التصميم والتنفيذ، وإنما تمتد إلى متابعة النتائج وقياس مدى توافقها مع الأهداف والتوقعات الموضوعة.
  5. تعزيز المساءلة:
    من خلال تقارير الأداء والتقارير المالية الدورية، وتطبيق مبادئ المساءلة واتخاذ الإجراءات اللازمة عند حدوث تقصير أو إخفاق.
  6. تصحيح المسار:
    ينبغي أن تتمتع السياسات بالمرونة التي تمكنها من الوقوف على أسباب الإخفاق والاستجابة للمتغيرات واتخاذ الإجراءات التصحيحية المناسبة.

وتسهم هذه المرتكزات في الحد من استمرار السياسات غير الفعالة، وتعزيز المساءلة العامة، وتحقيق التنمية البشرية بوصفها أساسًا للتنمية المستدامة.

ورليكم تجربة ماليزيا …

تقدم ماليزيا تجربة مهمة في توظيف التخطيط الاستراتيجي والسياسات العامة لتحقيق التنمية المستدامة. فقد ساعد التخطيط طويل المدى على تحديد الأولويات، ورسم السياسات وآليات تنفيذها، ووضع أهداف تطويرية بعيدة المدى.

كما تبنت الحكومة الماليزية مجموعة من السياسات والبرامج والنماذج الاقتصادية، بالتوازي مع توافق مؤسسات الدولة والقوى السياسية والمجتمعية ـ رغم اختلافاتها ـ حول أهمية تحقيق التنمية.

واعتمدت التجربة الماليزية بدرجة كبيرة على الفكر والتخطيط الاستراتيجي وبناء الرؤى المستقبلية، ومن أبرزها رؤية ماليزيا 2020.

وتشكلت التجربة التنموية من تفاعل أربعة أبعاد رئيسة: الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والثقافي، مع تركيز واضح على التنمية البشرية والاستثمار في الإنسان.

البعد الاقتصادي

استطاعت ماليزيا تحقيق تحولات نوعية في المجال الاقتصادي، وانتقلت تدريجيًا من الاعتماد الكبير على المنتجات الزراعية والمواد الأولية إلى اقتصاد أكثر تنوعًا، مع التوسع في التصنيع، ومنه الصناعات الإلكترونية.

كما أسهم الانفتاح الاقتصادي في جذب الاستثمارات الأجنبية، وتطوير البنية الأساسية، ودعم قطاعات أخرى مثل السياحة والخدمات.

البعد الاجتماعي

عملت ماليزيا على خفض معدلات الفقر، وتنمية الريف والحضر، وتقليص البطالة من خلال عدد من المبادرات التنموية وتشجيع الاستثمار.

وفي الوقت نفسه، أولت اهتمامًا واضحًا بقطاعي التعليم والرعاية الصحية، انطلاقًا من أن التنمية المستدامة لا تتحقق بالنمو الاقتصادي وحده، وإنما بالاستثمار في الإنسان وتحسين جودة حياته.

البعد البيئي

اهتمت السياسات التنموية بإيجاد بيئة صحية وآمنة، وتحقيق الاستخدام المسؤول للموارد الطبيعية، والمحافظة على حقوق الأجيال القادمة، إلى جانب دعم مبادرات التنمية الخضراء وتحقيق قدر أكبر من التوازن بين النمو الاقتصادي والاستدامة البيئية.

البعد الثقافي والمعرفي

قامت فلسفة التنمية على الاستثمار في الرأسمال الفكري، والاهتمام بالإبداع والابتكار والعلم والمعرفة، وتهيئة البيئة المناسبة لتنمية قدرات الإنسان.

وهنا يتجاوز مفهوم التنمية مجرد بناء الاقتصاد والبنية الأساسية إلى بناء الإنسان القادر على إنتاج المعرفة والمشاركة في صناعة المستقبل.

والخلاصة:

تقدم التجربة الماليزية درسًا مهمًا في أن التنمية المستدامة ليست نتيجة سياسة منفردة أو مشروع اقتصادي محدد، وإنما حصيلة رؤية طويلة المدى تتكامل فيها السياسات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية.

فالسياسات الرشيدة تبدأ بفهم الواقع، ثم استشراف المستقبل، وتحديد الأولويات، وبناء المؤسسات القادرة على التنفيذ والمراجعة وتصحيح المسار.

ولعل أهم ما يمكن استخلاصه من تجربة ماليزيا هو أن الدول لا تصنع مستقبلها عندما تصل إليه، بل تبدأ في صناعته قبل ذلك بسنوات، عندما تتحول الرؤية إلى استراتيجية، والاستراتيجية إلى سياسات، والسياسات إلى نتائج يلمسها المجتمع.