بقلم: صلاح لطفي زمن القراءة : 3 دقائق
في الاثنين 14 أكتوبر 2024، مُنحت جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية لثلاثة اقتصاديين هم: دارون عجم أوغلو (Daron Acemoglu)، وسايمون جونسون (Simon Johnson)، وجيمس روبنسون (James Robinson)، تقديرًا لأبحاثهم حول كيف تتشكل المؤسسات، وكيف تؤثر في ازدهار الدول أو تعثرها.
وعلى الرغم من أن الجائزة ذهبت رسميًا إلى الاقتصاد، فإن رسالتها هذا العام بدت أقرب كثيرًا إلى الإدارة العامة، لأن جوهرها ليس المال فقط، بل المؤسسات: كيف تُبنى، وكيف تعمل، ولماذا تقود بعض الدول إلى الازدهار، بينما تُبقي دولًا أخرى في دائرة الفقر والتعثر.
تشير أبحاثهم، التي اشتهرت على نطاق واسع منذ صدور كتابهم “لماذا تفشل الأمم؟” عام 2012، إلى أن الدول التي طورت مؤسسات شاملة (inclusive institutions) أصبحت، مع مرور الوقت، أكثر قدرة على تحقيق الازدهار والاستقرار. وفي المقابل، فإن الدول التي سادت فيها المؤسسات الاستغلالية (extractive institutions)، أي تلك التي تستنزف الموارد وتوجهها لخدمة نخبة ضيقة، عانت نموًا اقتصاديًا أضعف وفرصًا أقل للتقدم المستدام.
والمقصود بالمؤسسات الشاملة هو الأنظمة والهياكل التي تتيح الفرص، وتضمن المشاركة، وتحمي الحقوق، وتفتح المجال أمام الناس للإنتاج والمبادرة، بغض النظر عن خلفياتهم أو انتماءاتهم. أما المؤسسات الاستغلالية، فهي تلك التي تحتكر السلطة والثروة، وتحد من فرص المشاركة، وتحصر المنافع في أيدي قلة، بما يقود إلى تفاوت اقتصادي واجتماعي وسياسي واسع.
هنا تحديدًا تظهر زاوية الإدارة العامة.
فالحديث لم يعد فقط عن النمو أو الناتج المحلي أو المؤشرات الاقتصادية المجردة، بل عن نوعية المؤسسة: هل هي عادلة؟ هل هي كفؤة؟ هل تتيح الفرص؟ هل تعمل لصالح المجتمع أم لصالح فئة محدودة؟
وهذا، في جوهره، سؤال إداري ومؤسسي بقدر ما هو سؤال اقتصادي.
لذلك يمكن القول إن نوبل هذا العام، وإن جاءت تحت عباءة الاقتصاد، فإنها حملت رسالة واضحة إلى كل المهتمين بالإدارة العامة، والسياسات العامة، وبناء الدولة:
الازدهار لا تصنعه الموارد وحدها، بل تصنعه المؤسسات.
والمؤسسات لا تُقاس فقط بوجودها الشكلي، بل بقدرتها على الشمول، والعدالة، والفعالية، وفتح المجال أمام المجتمع للمشاركة والإنتاج.
لهذا بدت الجائزة، في معناها الأعمق، وكأنها جائزة للإدارة العامة أيضًا؛ لأنها أعادت التذكير بأن جودة المؤسسات ليست تفصيلًا إداريًا، بل هي أحد أهم مفاتيح مصير الدول.







