بقلم: صلاح لطفي زمن القراءة: 3 دقائق
لماذا، كلما بحثنا عن الإلهام في القيادة أو النجاح، ذهبنا فورًا إلى النموذج الغربي؟
وكأن المعرفة لا تولد إلا هناك، وكأن الخبرة لا تُعترف بها إلا إذا خرجت من بيئة أخرى، وتحدثت بلغة أخرى، وحملت أسماءً اعتدنا ترديدها.
نُكبِر ما يكتبونه، ونقتبس ما يوصون به، ونتعامل مع أفكارهم كأنها وحدها الصواب، ثم نعيد تدويرها في برامجنا وخططنا وممارساتنا، حتى لو لم تكن الأنسب لنا، ولا الأقرب إلى واقعنا، ولا الأقدر على فهم تحدياتنا.
لكن السؤال الأهم هنا: لماذا لا يكون رائد الأعمال الملهم من بيئتنا؟
يتحدث لغتنا، ويفهم واقعنا، ويعرف تعقيدات مجتمعاتنا، ويخاطب الإنسان فينا قبل أن يخاطب السوق.
ولماذا لا تكون دراسات الحالة التي نتداولها من شركاتنا ومؤسساتنا؟ من تجارب حاولت، واجتهدت، وفشلت، ثم نجحت؟
ولماذا نتجاهل من يشبهوننا لغةً وبيئةً وقيمًا، ونذهب دائمًا إلى من يبدون أبعد، فقط لأنهم أكثر حضورًا في المشهد العالمي؟
ولماذا نخجل أحيانًا من مرجعيتنا الدينية واللغوية والثقافية، مع أنها المرجعية نفسها التي شكّلت شخصيات قادت دولًا، وبنت مؤسسات، وأثّرت في مجتمعات؟
ولماذا نحتفي جدًا بالنماذج الغربية، حتى حين تكون معقولة فقط، فنرفعها إلى مرتبة العظيمة، بينما نتعامل مع نماذجنا بكثير من التحفظ، حتى وإن كانت أكثر قربًا من واقعنا وأكثر قدرة على إلهامنا؟
هل التعلم من الغرب خطأ؟
بالتأكيد لا.
لسنا ضد التعلم من الآخر، ولا ضد الانفتاح على التجارب العالمية، بل نحن مع الانفتاح الواعي، ومع الإفادة من كل تجربة ناجحة، والأخذ بالأسباب، والتعلم من كل من سبق وأبدع وطوّر. هم سبقونا في مجالات كثيرة، ونحتاج أن نتعلم منهم، ولا خلاف على ذلك.
لكن القضية ليست في التعلم منهم، بل في الاكتفاء بهم.
القضية أن يتحول الإعجاب إلى تبعية، وأن تصبح المعرفة القادمة من الخارج هي المعرفة الوحيدة التي نراها جديرة بالاعتبار.
ما نريده ببساطة هو أن نصل إلى منتصف الطريق.
أن نتعلم من العالم، نعم، لكن في الوقت نفسه ننتج معرفتنا نحن أيضًا.
أن نقرأ الآخر، لكن لا نهمل قراءة أنفسنا.
أن نستفيد من التجارب الغربية، لكن لا نُقصي تجاربنا العربية.
نحتاج أن نقرأ واقعنا بلغتنا، ومن عقول تشبهنا.
نحتاج إلى كتب خرجت من بيئتنا، وتحدثت عن مجتمعاتنا، وقدّمت أفكارًا نابعة من الداخل.
في حياة في الإدارة للدكتور غازي القصيبي، وسر حياتي لمحمود العربي، وتجربتي لعثمان أحمد عثمان، والمقدمة لابن خلدون، وشروط النهضة لمالك بن نبي، وعصر العلم للدكتور أحمد زويل، نماذج فكرية وتجارب تستحق أن تكون جزءًا أصيلًا من قراءاتنا ومراجعنا.
لسنا مطالبين بأن نرفض العالم، ولا أن نغلق الأبواب.
لكننا أيضًا لسنا مضطرين إلى أن نرى أنفسنا دائمًا في الهامش، وأن ننتظر من الخارج أن يخبرنا كيف نفكر، وكيف نبني، وكيف ننجح.
ما نحتاجه حقًا هو توازن ناضج:
نتعلم من الآخر، نعم، لكن نعتز بأنفسنا.
نقرأ العالم، نعم، لكن نقرأ واقعنا أيضًا.
نستفيد من النماذج العالمية، لكن نبني نماذجنا نحن.
لذا، فقط أريد أن أقول:
لنعتزّ بنا.
ولنكتب كتابًا عربيًا يُقرأ.
ولنقدّم تجربة عربية تُدرَّس.
ولنترك لمن بعدنا طريقًا أقصر، ورؤية أوضح، وبداية أفضل.
نحن فقط لا نريد كل الطريق… نريد أن نصل إلى منتصفه.







