بقلم: صلاح لطفي زمن القراءة: ٤ دقائق 8 مايو 2025م
في كثير من المنظمات، لا تكمن المشكلة في غياب الاستراتيجية، بل في الفجوة بين تصميمها وتنفيذها.
فغالبًا ما تبدو الاستراتيجية على الورق متماسكة ومقنعة ومليئة بالطموح، لكن عند الانتقال إلى الواقع تبدأ المسارات في التباعد، وتظهر فجوة التنفيذ.
فهناك مسار مثالي هو تصميم الاستراتيجية (Strategy Design)، وهو المسار الذي رُسم بعناية، وصيغ في عروض مبهرة، وعُرض بلغة واثقة وأهداف كبيرة. وهنا نتذكر بالفعل تلك العروض الاحترافية اللامعة التي تبهر الحضور وتَعِد بنتائج استثنائية.
لكن في المقابل، يظهر مسار فعلي يمثل تنفيذ الاستراتيجية (Strategy Execution)، وهو المسار الذي تسلكه المنظمة وسط ظروفها اليومية، وتحدياتها التشغيلية، وتعقيداتها الإدارية، وقيودها البشرية والمالية.
ومن هنا تبدأ فجوة التنفيذ (Strategy Execution Gap). وهي ليست مجرد فجوة تقنية أو إجرائية، بل غالبًا ما تكون نتيجة لانفصال الإدارة العليا عن الإدارة الوسطى، أو لضعف إشراك الإدارة الوسطى في تحويل الرؤية إلى ممارسة.
الإدارة الوسطى … المنطقة المُجمّدة داخل المنظمات
ولأن الإدارة الوسطى ليست مستوى إداريًا عابرًا بين القمة والقاعدة، بل هي الجسر الذي تعبر من خلاله الاستراتيجية إلى الواقع. فهي التي:
- تترجم الاستراتيجية إلى أفعال.
- تربط الرؤية بالتنفيذ.
- تتعامل مع تحديات الواقع اليومية.
- توائم بين أهداف الأقسام، والفرق، والأفراد.
- تفسر التوجهات الكبرى بلغة يفهمها المنفذون ويطبقونها.
قد تصوغ الإدارة العليا الاتجاه، والفرق التنفيذية تنفذ المهام، لكن الإدارة الوسطى هي التي تصنع الاتساق بين الاثنين.ومن دونها، تبقى الاستراتيجية أقرب إلى خطة جميلة على الورق منها إلى واقع حي داخل المنظمة.
ولهذا، فإن تجميد دور الإدارة الوسطى، أو تهميشها، أو التعامل معها كمجرد ناقل تعليمات، يخلق فجوة صامتة تتسع بمرور الوقت. فتضيع الأولويات، وتتعدد التفسيرات، وتضعف المساءلة، وتتعثر المبادرات، وتفقد الاستراتيجية زخمها شيئًا فشيئًا.
كيف نُجسّر فجوة التنفيذ؟
ردم هذه الفجوة يبدأ ببناء جسر عملي بين الطموح والواقع، أي بين من يصممون الاستراتيجية ومن يحملون عبء تنفيذها اليومي. ومما يساعد على ذلك:
- تصميم استراتيجية واقعية، بحيث تنطلق من السياق الوطني، وتفهم طبيعة البيئة التنظيمية، ولا تُبنى على افتراضات مثالية بعيدة عن الواقع.
- إطلاق برامج ومبادرات منسجمة مع طبيعة المنظمة، فليس كل ما ينجح في منظمة يصلح بالضرورة لمنظمة أخرى. لذا، يجب أن تتسق البرامج مع الثقافة المؤسسية، ومستوى النضج الإداري، والقدرات المتاحة لكل منظمة.
- تحديد مؤشرات أداء تركّز على القيمة، وخاصةً المؤشرات المرتبطة بتجربة العملاء، وجودة الخدمة، والأثر الفعلي، وليس الإنجاز الشكلي.
- التوجه بأصحاب المصلحة، بما يضمن فهمهم لها، والتزامهم بها، ومشاركتهم في دعمها، بدل أن تبقى مبادرات معزولة لا تجد من يتبناها.
- تنفيذ مشاريع تستند إلى الموارد المتاحة، سواء كانت موارد بشرية أو مالية أو تنظيمية؛ لأن الاستراتيجية التي لا تستند إلى موارد حقيقية تتحول سريعًا إلى وعود مؤجلة.
الخلاصة
الاستراتيجية لا تفشل دائمًا لأنها سيئة التصميم، بل لأنها لا تجد الجسر الذي يحملها إلى الواقع. وهذا الجسر هو الإدارة الوسطى.
فحين تُفهم الإدارة الوسطى بوصفها شريكًا في التنفيذ، ومترجمًا للرؤية، وموازنًا بين الطموح والواقع، تضيق فجوة التنفيذ، وتتحول الاستراتيجية من عرض تقديمي جذاب إلى نتائج ملموسة.
وبهذا فقط، لا تبقى الاستراتيجية خطة على الورق، بل تصبح واقعًا حقيقيًا تعيشه المنظمة وتبني عليه أثرها.







