بقلم: صلاح لطفي
مايو 2023م | زمن القراءة: 5 دقائق
استدعى التنوع والتعقيد المتزايدان عالميًا اتباع نهج جديد في صياغة السياسات العامة، خاصة مع دخول العالم عصر اقتصاد المعرفة الرقمية، وارتفاع مستوى الوعي المجتمعي الجمعي.
في هذا السياق، تشير سري مولياني، رئيس خبراء العمليات والمدير المنتدب بالبنك الدولي، إلى أن الكلمة الأكثر حساسية في عبارة «السياسات العامة» هي كلمة «العامة»؛ إذ يتأثر عموم الناس بخيارات واضعي السياسات، كما تتطور السياسات مع تغير اهتمامات الأجيال بمرور الوقت، وهو ما يجعل عملية وضع السياسات وتنفيذها مهمة متزايدة الصعوبة.
وتضيف أن عموم الناس أصبحوا أقل صبرًا، في ظل ارتفاع سقف التوقعات؛ فالناس تريد الإنجاز على طريقة «كن فيكون». ومن ثم، ينبغي على واضعي السياسات في المستقبل أن ينظروا إلى نجاح الجمهور باعتباره نجاحًا لهم، وأن يعملوا دائمًا لما فيه مصلحة الجمهور.
ونظرًا إلى اعتماد السياسات العامة بصورة متزايدة على البيانات الاجتماعية والاقتصادية الضخمة، فقد اتسع مفهوم «الرأي العام» ليشمل توجهات أغلبية الناس في المجتمع إزاء القضايا والتحديات التي يعيشونها في واقعهم. ومن هنا، يصبح أحد الأدوار الأساسية للسياسات العامة هو التحقق من مدى التقارب بين ما يفكر فيه الجمهور وما تفعله الحكومة، والعكس صحيح.
كيف نتحول إلى السياسات العامة المرتكزة على المواطن؟
تشير الدراسات إلى أن الدول التي وضعت شعوبها في محور سياساتها، وعملت على تمكينهم من خلال التعليم والتطوير والابتكار وريادة الأعمال والأنظمة الصحية، كان مواطنوها أكثر قدرة على الصمود في مواجهة الأزمات. وهذا التحول يتطلب ما يلي:
- تبني مؤشرات موجهة نحو المواطن:
ينبغي أن تتضمن السياسات العامة مؤشرات ومقاييس تركز على المواطن، مثل مستوى الدخل وجودة الحياة والرفاهية المتاحة له، بدلًا من الاكتفاء بالمقاييس «الوطنية» الكلية، مثل نمو الناتج المحلي الإجمالي وميزان المدفوعات. فالحاجة تتزايد إلى مقاييس جديدة تساعد على قياس القيمة والأثر على مستوى الفرد. - تغيير طريقة تفكير واضعي السياسات:
من الضروري تجاوز فكرة أن «حلًا واحدًا يناسب الجميع»، والابتعاد عن النهج التجميعي في صياغة السياسات، والاتجاه نحو نهج يأخذ في الاعتبار الفروق بين الأفراد، وينظر إلى الفرد بوصفه الوحدة الرئيسة التي يُبنى عليها التحليل والعمل. - تعزيز استيعاب الأفراد للسياسات:
لا يكفي وضع السياسات، بل من المهم أن يستوعبها الأفراد حتى تتحول لاحقًا إلى ممارسة وتنفيذ؛ فالأفراد تحركهم مصالحهم وطموحاتهم ومعتقداتهم وأهدافهم، إلى جانب القيم المشتركة في مجتمعاتهم. - توظيف الاقتصاد السلوكي:
يأتي ذلك من خلال تطبيق مفهوم «وحدة الترغيب» أو وحدات «الاقتصاد السلوكي». فقد برزت مقاربة جديدة لصنع السياسات العامة تستند إلى مفاهيم الاقتصاد السلوكي، الذي يجمع بين الاقتصاد وعلم النفس في دراسة سلوك الإنسان وتأثير العوامل الاجتماعية والنفسية في اتخاذ القرار. ويساعد ذلك على تحقيق فهم أعمق لسلوكيات المواطنين والتحيزات التي قد تؤثر في قراراتهم. - تجسير الفجوة بين السياسات العامة والسياسات الجماهيرية:
سواء من حيث صياغة السياسات بما يعكس ما يؤمن به الناس وما يتطلعون إليه، أو من حيث فهم الطرق التي ينظر من خلالها المواطنون إلى أنفسهم وإلى الآخرين. - تسريع التحول نحو اللامركزية الإدارية والاقتصادية:
فاللامركزية تخلق مساحات أوسع للمشاركة المجتمعية، وتتيح تصميم سياسات أكثر قدرة على تلبية المطالب الجماهيرية. ويمكن تحقيق ذلك من خلال نقل قدر مناسب من صلاحيات الحكومات الوطنية إلى المستويات المحلية، ومن بعض الوكالات العامة إلى منظمات خاصة وغير حكومية وغير ربحية، وفق أطر واضحة للمساءلة والحوكمة. - بناء سياسات أكثر مرونة:
وذلك بالانطلاق من تحديد الاحتياجات الحقيقية للمواطنين، وبناء قدرات تراعي السياق المحلي والاجتماعي والاقتصادي؛ بما يمكّن السياسات الجاري تنفيذها من إحداث أثر حقيقي وملموس. - تعزيز المشاركة والمساءلة:
من خلال توسيع مشاركة المواطنين في عملية صنع السياسات، وزيادة مستويات الشفافية والمساءلة. ويتطلب ذلك تطوير أدوات مثل الميزانية التشاركية، ومبادرات البيانات المفتوحة، وتعزيز الدمج المجتمعي.
والخلاصة:
حين يريد المواطن الإنجاز على طريقة «كن فيكون»، فهو لا يطالب بالضرورة بسياسات تُصنع في لحظة، بقدر ما يعبّر عن فجوة متزايدة بين سرعة تغير احتياجاته وتوقعاته، وسرعة استجابة السياسات العامة لها.
فنجاح السياسات العامة في المستقبل لن يُقاس فقط بحجم الخطط والموازنات، أو بمعدلات النمو والمؤشرات الكلية، وإنما بقدرتها على الإجابة عن سؤال بسيط ومباشر: ماذا تغير في حياة المواطن؟







