يقولون إن قصة الطب في كوبا هي، في جوهرها، قصة الثورة فيها.
فالصحة لم تكن مجرد قطاع خدمي، بل كانت أحد مطالب الثورة، وعاملًا من عوامل اشتعالها، ثم أصبحت بعد ذلك على رأس أولوياتها، وأحد أبرز مكتسباتها.
هذه هي قصة كوبا باختصار:
جزيرة فقيرة يقطنها نحو 11 مليون نسمة، وهي من أكثر جزر الكاريبي كثافة بالسكان.
عانت كثيرًا من الاستعمار والحروب، ثم من تقلبات الاستقلال والثورة، ثم من الحصار والعزلة، قبل أن تحاول أن تصوغ لنفسها طريقًا مختلفًا.
لكن ما يلفت النظر في التجربة الكوبية ليس فقط قدرتها على الصمود، بل قدرتها على الاستثمار في الإنسان.
فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، استثمرت كوبا بقوة في التعليم والتدريب، وأنفقت عليهما بنسبة مرتفعة من إجمالي الناتج المحلي، وجعلت منهما قاعدة لبناء الدولة لا بندًا هامشيًا في ميزانيتها.
أطلقت حملة واسعة لمحو الأمية، استهدفت نحو مليون شخص، وشارك فيها مئات الآلاف من المعلمين والطلاب.
كما تبنّت مجانية التعليم والتدريب، خاصة للفلاحين والعمال وسكان المناطق النائية، حتى أصبح الوصول إلى التعليم جزءًا أصيلًا من مشروعها الاجتماعي.
ثم كان التركيز الأكبر على القطاع الصحي.
فكوبا لم تنظر إلى الطب على أنه خدمة فقط، بل على أنه استراتيجية وطنية.
ولهذا بنت مسارًا تأهيليًا قائمًا على تكثيف التعليم والتدريب في المجال الصحي، حتى أصبحت من الدول الأعلى في نسبة الأطباء إلى عدد السكان.
ومن هنا بدأت قصة اليوم.
فكوبا لم تعد مجرد جزيرة معروفة بالسيجار أو بتاريخها السياسي، بل أصبحت بلدًا يبتكر أدوية للسرطان، والأمصال، والمضادات الحيوية، وأدوية السكري والسل وغيرها.
كما أصبحت معاملها في التكنولوجيا الحيوية والوراثية من أبرز معالم تفوقها العلمي، وأنتجت أدوية ومبتكرات منحتها حضورًا يتجاوز حجمها الجغرافي والاقتصادي.
واللافت في التجربة الكوبية أن هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل من رؤية واضحة:
إذا أردت أن تبني بلدًا قادرًا على الصمود، فابدأ بالتعليم، ثم درّب، ثم استثمر في الصحة، ثم اصنع المعرفة.
لهذا لم يعد الدواء في كوبا مجرد منتج طبي، بل صار نتيجة طبيعية لمسار طويل من الاستثمار في الإنسان.
وما بين قصة الأمس وقصة اليوم، يبدو الدرس الكوبي واضحًا:
ليست الثروات وحدها هي التي تصنع الدول، بل قد تصنعها أيضًا الإرادة، حين تُترجم إلى تعليم جاد، وتأهيل مستمر، ومؤسسات تعرف كيف تحول المعرفة إلى أثر.
لذلك، حين تُذكر كوبا، قد يتبادر إلى الذهن السيجار أولًا.
لكن الحقيقة الأعمق أن كوبا لا تُدخّن السيجار فقط…
بل تُصنّع الأمصال أيضًا.







