أين تكمُن ثروة الأمم؟

بقلم: صلاح لطفي

زمن القراءة: 3–4 دقائق

حين كتب آدم سميث كتابه الأشهر ثروة الأمم، كان من أوائل من أعادوا تعريف معنى الثروة.

فهو لم يرَ أن ثروة الأمة تُقاس بما تملكه من ذهب وفضة في خزائنها، بل بما تستطيع أن تخلقه من تيار مستمر من السلع والخدمات. وبهذا التصور، وضع واحدة من الأفكار الأساسية التي يقوم عليها علم الاقتصاد الحديث، والتي انعكست لاحقًا في مؤشرات مثل إجمالي الناتج المحلي بوصفه أحد مقاييس تراكم الثروة.

 

كما أشار سميث إلى أن دخل البلاد في المستقبل يعتمد على تراكم رأس المال، وأن الاستثمار في العمليات الإنتاجية الأفضل يقود إلى تكوين ثروة أكبر بمرور الوقت. وتناول كذلك أثر المال حين يُهمل أو يُجمّد، فيتحول إلى أداة لا فائدة منها أو إلى مخزون كاسد.

 

ورغم أن سميث تناول في كتابه معظم أركان الاقتصاد، من الإنتاج والتبادل، إلى الأسواق والقيمة، والعمل، ورأس المال، والأجور، والأرباح، والاستهلاك، والاستثمار، والتجارة، فإن الخيط المرتبط بـ رأس المال البشري لم يكن ظاهرًا في أفكاره بالوضوح الذي نراه اليوم.

 

ما هي ثروة الأمم حقًا؟

 

في تقرير “أين تكمن ثروة الأمم؟ قياس رأس المال للقرن الحادي والعشرين”، أجرى البنك الدولي عام 2008 دراسة على بيانات 120 دولة من الدول منخفضة ومتوسطة وعالية الدخل.

وأظهرت النتائج ما يلي:

  • يمثل رأس المال الطبيعي، مثل أصول باطن الأرض والغابات والأراضي الزراعية والمناطق المحمية، نحو 4% فقط من ثروة الأمم.
  • ويمثل رأس المال المُنتَج، مثل المباني والمعدات والمناطق الحضرية، نحو 18%.
  • بينما يمثل رأس المال غير الملموس النسبة الأكبر، إذ يبلغ 78% من ثروة الأمم.

 

وهنا تتضح المفاجأة الكبيرة:

إن معظم ثروة الأمم لا تكمن في الموارد الطبيعية، ولا في المباني والمعدات، بل في ذلك الرصيد غير الملموس الذي يتكون أساسًا من رأس المال البشري ورأس المال الاجتماعي.

 

78% من الثروة في البشر والعلاقات والمؤسسات

 

يتشكل رأس المال غير الملموس من ثلاثة عناصر رئيسية:

 

أولًا: رأس المال البشري ، وهو خلاصة المعارف والمهارات والخبرات والكفاءات التي يمتلكها السكان.

 

ثانيًا: رأس المال الاجتماعي، ويشمل مستوى الثقة السائد بين أفراد المجتمع، وقدرتهم على العمل معًا لتحقيق أهداف مشتركة، إلى جانب عناصر الحوكمة والإدارة التي تعزز إنتاجية الاقتصاد.

 

ثالثًا: صافي الأصول المالية الأجنبية، في إطار العوائد المتأتية منها.

 

ماذا قال تقرير الثروة المتغيرة للأمم؟

 

عاد البنك الدولي في تقريره “الثروة المتغيرة للأمم 2021” ليقدم مفهومًا أوسع للثروة، بوصفه مؤشرًا مكملًا لإجمالي الناتج المحلي.

وقد غطى التقرير ثروة 146 دولة خلال الفترة من 1995 إلى 2018.

 

وقاس التقرير القيمة الاقتصادية لعدة أنواع من رأس المال، منها:

  • رأس المال الطبيعي المتجدد، مثل الغابات والأراضي الزراعية وموارد المحيطات
  • رأس المال الطبيعي غير المتجدد، مثل المعادن والوقود الأحفوري
  • رأس المال البشري، من خلال قيمة الدخل على مدى حياة الفرد
  • رأس المال المُنتَج، مثل المباني والبنية التحتية
  • صافي الأصول الأجنبية

 

وأظهرت نتائج التقرير أن رأس المال البشري هو أكبر مصدر للثروة في العالم، وقد بلغ 64% من إجمالي الثروة العالمية في عام 2018.

كما بيّن التقرير أن رأس المال الطبيعي المتجدد ينمو من حيث القيمة، لكن حصته من مجموع الثروة آخذة في التراجع.

 

الشاهد أنه :

 

تكمُن ثروة الأمم، وكذلك ثروة المنظمات، في عنصرها البشري قبل أي شيء آخر.

في المعارف، والمهارات، والكفاءات، والخبرات، والذهنية التي يمتلكها الوطن أو المنظمة.

كيف نُعلّمه، وكيف نُدرّبه، وكيف نطوّر قدراته، وكيف نبني بيئة اجتماعية ومؤسسية تمكّنه من الإسهام والإنتاج.