إرث الدكتور الفقي… جراحة إدارية أم تجميل سطحي؟

بقلم: صلاح لطفي   زمن القراءة: 4 دقائق

في ١٠ فبراير  ٢٠١٢ م توفى الدكتور إبراهيم الفقي – رحمه الله -، وفي كل عام، وكل ذكرى لوفاته تتردد كلماته، وتنتشر صوره، وتتجدد عبارات الثناء على مسيرته التي كان يرويها من “غاسل للصحون” إلى “مدير تنفيذي”.

 

وهي، بلا شك، قصة كفاح مُلهمة، ولا يمكن إنكار دوره في نشر ثقافة التحفيز والتطوير الذاتي، خصوصًا في عالمنا العربي.

 

لكن السؤال الذي يستحق ليس فقط: ماذا قدّم الدكتور إبراهيم الفقي؟ بل أيضًا: ماذا تركت مدرسته من بعده؟

وهل قدّمت إرثًا من الأدوات لبناء العقول والمنظمات، أم أن بعض تلاميذه بالغوا في تقديم “وهم النجاح السريع” أكثر من بناء مسارات تطوير مهني حقيقية؟

 

أولًا: التجميل ليس بديلًا عن الجراحة

 

كثير من تلاميذ هذه المدرسة ركزوا على التنمية الشخصية السطحية، من خلال عبارات براقة مثل “أخرج المارد الذي بداخلك”، لكنهم أهملوا أدوات “الجراحة” الحقيقية: بناء المهارات، وتطوير التفكير، وتمكين الأفراد بمناهج الإدارة الحديثة.

 

بمعنى آخر، تم التركيز على معالجة “الأعراض” بدلًا من علاج “الأمراض”.

فكانت النتيجة سوقًا مزدحمًا بالمتحدثين، وقليلًا من الاستشاريين القادرين على قيادة تحولات حقيقية في بيئات العمل.

 

ثانيًا: خلط المفاهيم بين التنمية البشرية والتنمية الشخصية

 

هناك فرق جوهري بين “التنمية البشرية” بمعناها الأشمل، التي ترتبط بالتعليم والصحة والتمكين الاقتصادي، وتقاس بمؤشرات معروفة مثل مؤشر التنمية البشرية، وبين “التنمية الشخصية” التي تركز على تحسين سلوك الفرد، وتواصله مع نفسه والآخرين، وتطوير عاداته واتجاهاته.

 

لكن بعض تلاميذ الدكتور الفقي استخدموا المصطلحين وكأنهما شيء واحد.

والنتيجة كانت تشويه المفهوم لدى الجمهور، وإرباكًا في فهم طبيعة هذا الحقل لدى مجتمع الأعمال.

 

ثالثًا: البرمجة العصبية بين الفائدة والمبالغة

 

لا خلاف على أن بعض تقنيات البرمجة اللغوية العصبية، وبعض ممارسات التأمل الذهني، قد تكون مفيدة في ظروف معينة.

لكن هل يمكن أن تكون وحدها حلًا لمشكلات الفرد المهنية والاجتماعية؟

هنا تظهر المشكلة.

 

إذ بالغ بعضهم في تسويق هذه الأدوات وكأنها الحل السحري لكل شيء، متجاهلين أن العلم، والتدريب، والخبرة الواقعية، والممارسة المهنية الرصينة، هي الأساس الحقيقي للتطور.

فأصبحنا أمام خطب ومفاهيم لا تستند دائمًا إلى مرجعيات علمية متينة، ولا إلى نماذج تطبيقية ناضجة.

 

رابعًا: المتحدثون أكثر من مدربي الأعمال

 

عدد كبير من المنتمين إلى هذه المدرسة ركزوا على الحضور الجماهيري، والتأثير اللحظي، والانفعال العاطفي، أكثر من التركيز على الأثر العميق والمستدام داخل بيئات العمل.

 

فصرنا نرى جيشًا من المتحدثين التحفيزيين، لكن أين الاستشاريون الذين يبنون الأنظمة؟

وأين الخبراء الذين يطورون المهارات المهنية؟

وأين من يقودون التحول في المؤسسات بلغة التخطيط، والقياس، والجودة، والنتائج؟

 

خامسًا: الخوف من ميكانيكا التطوير الإداري

 

السؤال الأهم في تقديري:

كم من أبناء هذا الإرث استطاع أن يدير مشروعًا وطنيًا لتنمية المواهب، يستغرق تصميمه وتنفيذه عامًا أو عامين؟

كم منهم صمم وأدار استشارات حقيقية لمنظمة كبرى لتحسين أدائها؟

كم منهم وضع نموذجًا حكوميًا على مستوى وطني؟

وكم منهم انتقل من منصة الخطابة إلى ميدان البناء المؤسسي الحقيقي؟

 

هنا يظهر الفارق بين “التجميل” و”الجراحة”.

فالعالم اليوم لا يحتاج فقط إلى من يرفع المعنويات، بل إلى من يفهم ميكانيكا التطوير الإداري، ويستطيع أن يبني الأنظمة، ويعيد تصميم العمليات، ويطوّر القدرات المهنية على أسس منهجية.

 

الخلاصة

 

إبراهيم الفقي كان مُلهمًا، وهذه حقيقة لا جدال فيها.

لكن السؤال عن الإلهام شيء، والسؤال عن الإرث المهني شيء آخر.

 

فهل تحولت مدرسته إلى منصة لصناعة متحدثين أكثر من صناعة قادة واستشاريين قادرين على التأثير الفعلي؟

وهل بقي أثرها في دائرة “المتحدث المؤثر”، أم انتقل فعلًا إلى “المستشار المؤسسي ” ؟

 

في تقديري، التحدي الحقيقي اليوم ليس أن نكرر كلمات التحفيز، بل أن ننتقل من بريق الخطاب إلى عمق الممارسة.

فالعالم يحتاج إلى مختصي “الجراحة” في الإدارة، لا إلى الاكتفاء بخبراء “التجميل” في التحفيز.