في بيئة العمل السامّة… قاعدة 50/50 تُنقذك

بقلم: صلاح لطفي

زمن القراءة: 3 دقائق           3 مارس 2025م

في بيئات العمل، لا يكون التحدي في كثرة المهام، بل في كثرة الضجيج. ضجيج الكلام، ضجيج المواقف، ضجيج الأشخاص، وضجيج التفاصيل الصغيرة التي تستنزف الأعصاب وتسرق التركيز، وتستهلك الطاقة ، من دون أن تضيف شيئًا حقيقيًا لنا.

وفي هذا، لا ينجو الإنسان دائمًا بالمواجهة، ولا يربح  بالجدال ، بل ينجو بمهارة أكثر هدوءًا ونضجًا: الفرز الذكي لما يستحق الانتباه وما لا يستحقه.

ومن هنا جاءت فكرة التزمت بها مع نفسي منذ سنوات: قاعدة 50/50.

هذه القاعدة لا تعني اللامبالاة، ولا تعني الانسحاب، ولا تعني التوقف، لكن تعني  لي أن ليس كل ما يحدث حولي يستحق أن يدخل إلى قلبي وعقلي ووعي.

 

ففي بيئة العمل السامّة، وفي الحياة عمومًا، هناك أفعال تحدث، لكن ليس كل فعل يستحق أن نتوقف عنده أو نبرره للآخرين. وهناك أقوال تُقال، لكن ليس كل قول يستحق أن نحمله معنا، أو نفسره، أو نبني عليه موقفًا. وهناك أشخاص يمرون في محيطنا، ويدخلون دوائر علاقاتنا، لكن ليس مطلوبًا أن ننشغل بالجميع، ولا أن نستنزف أنفسنا في محاولة فهم كل أحد أو الرد على كل أحد.

 

لذلك، فإن الحد الأدنى من النجاة النفسية والمهنية بدأ عندي من هذه القاعدة البسيطة:

50% من الأفعال التي تتم… لا تركّز معها.

50% من الأقوال التي تسمعها… لا تهتم بها.

50% من الأشخاص حولك… لا تنشغل بهم.

 

ليس لأن كل ذلك غير موجود، بل لأن الاستغراق فيه أكبر من قيمته، وأثقل من أثره، وأكثر ضررًا من نفعه.

فالإنسان في العمل يحتاج إلى حماية نفسه من التآكل البطيء.

وليس كل ما يُقال ردًّا عليك.

وليس كل تصرف مؤامرة ضدك.

وليس كل برود تجاهك تقليلًا منك.

وليس كل تجاهل إساءة مقصودة.

أحيانًا يكون أفضل ما تفعله لنفسك هو ألا تفسّر كل شيء، وألا تمنح كل موقف أكبر من حجمه.

 

إذًا، على ماذا نركّز؟

نركّز على ما يُحدث لنا فرقًا حقيقيًا.

نركّز على ما يؤثر على مسارنا المهني فعلًا.

نركّز على ما يمس ديننا، وعِرضنا، وكرامتنا، وحقوقنا.

 

أما ما دون ذلك، فالأفضل أن ندرّب أنفسنا على ما أسميه: التجاهل المُحاط بالاحترام.

وهو ليس تجاهل متكبر، ولا تصرف عدائي، ولا برود مصطنع. بل هو نوع من النضج الداخلي الذي يجعلك

ترى ما لا يستحق، ثم تمضي دون ضجيج.

تسمع، لكن لا تحمل كل شيء.

تلاحظ، لكن لا تتورط في كل شيء.

وتفهم، لكن لا تدخل في كل معركة.

فليس من الحكمة أن ترد على كل كلمة، ولا أن تلاحق كل تصرف، ولا أن تجعل يومك رهينة لمزاج الآخرين أو تعليقاتهم أو طريقتهم في التعبير.

وفي كثير من الأحيان، يكون التجاهل المهذب شكلًا من أشكال القوة، لا الضعف. لأنه يحفظ طاقتك لما هو أهم، ويمنحك قدرة أكبر على الاستمرار، ويجعلك أكثر اتزانًا في بيئة قد تدفعك كل يوم إلى الاستنزاف والانفعال.

الخلاصة

ليست كل الأفعال تستحق التركيز، ولا كل الأقوال تستحق الاهتمام، ولا كل الأشخاص يستحقون الانشغال.

فقاعدة 50/50 ليست دعوة إلى اللامبالاة، بل إلى النضج؛ نضجٍ يحفظ روحك ، ويصون كرامتك، ويوجه طاقتك إلى ما يستحق.