بقلم: صلاح لطفي
زمن القراءة: 3 دقائق 5 أكتوبر 2024م
الثقة لا تنهار فجأة، ولا تتلاشى بقرار، بل تتآكل بهدوء، وعلى مراحل، حتى تصل المؤسسة إلى لحظة يصبح فيها التعاون هشًا، والانتماء ضعيفًا، والصدق مكلفًا. في كثير من الأحيان، لا يبدأ تآكل الثقة من الأزمات الكبيرة، بل من تفاصيل صغيرة تتكرر حتى تصبح جزءًا من الروتين اليومي في العمل.
في البيئات السامة، تتبدل الأحوال سريعًا.
فتضطرب المعايير، وتختلط الرسائل، ويبدأ الناس في قراءة ما وراء الكلمات بدل الاكتفاء بمعانيها المباشرة. ومع الوقت، تظهر سلوكيات نقص النزاهة، لا فقط في القرارات الكبيرة، بل أيضًا في المواقف اليومية الصغيرة: في التبرير، وفي إخفاء الحقيقة، وفي ازدواجية المعايير، وفي قول ما لا يُفعل، أو فعل ما لا يُقال.
وهنا تبدأ الثقة في الضعف.
ثم تأتي مرحلة أكثر خطورة، وهي حين تصبح المسؤولية الفردية ضحية لثقافة اللوم.
فبدل أن يسأل كل طرف نفسه: ما الذي كان ينبغي أن أفعله بشكل أفضل؟ يبدأ البحث عن متهم، أو شماعة، أو طرف آخر يمكن تحميله الخطأ. وعندما تسود هذه الثقافة، يتراجع الصدق، ويقلّ الاعتراف، وتضعف الشجاعة المهنية، لأن الناس لا يعودون منشغلين بحل المشكلة بقدر انشغالهم بحماية أنفسهم من تبعاتها.
لكن الأسوأ من ذلك كله، هو عندما يتحول الصمت إلى صوت الجماعة.
حين يرى الأفراد الخلل ولا يتكلمون، ويلاحظون التجاوز ولا يعترضون، ويدركون أن شيئًا ما ليس صحيحًا لكنهم يفضلون الصمت، فإن المنظمة تدخل مرحلة حرجة. فالصمت هنا لا يكون حياد، بل رسالة جماعية تقول إن قول الحقيقة لم يعد آمنًا، وإن الصمت أقل تكلفة من المواجهة، وإن التكيف مع الخطأ أسهل من إصلاحه.
وهنا، وهنا فقط، يصبح تآكل الثقة بين أفراد المنظمة أمرًا شبه محتوم.
لأن الثقة لا تقوم فقط على النوايا الحسنة، بل تقوم على معايير واضحة، وتعامل عادل، وحقيقة تحترم، وقدرة على تحمّل المسؤولية. فإذا ضعفت هذه المرتكزات، بدأ كل فرد في الانكماش داخل حدوده، وتراجع منسوب الأمان النفسي، وضعف التعاون، وحلّ الحذر محل الثقة.
وهنا، فإن مسؤولية القادة هنا ليست هامشية، بل جوهرية.
يقع على عاتق القادة أن يخلقوا بيئة عمل صحية تحترم الحقيقة، لا تُجمّلها.
بيئة تشجع على تحمّل المسؤولية الشخصية بدل الهروب منها.
بيئة تجعل النزاهة ممارسة يومية، لا شعارًا معلقًا.
وبيئة يشعر فيها الناس أن صوتهم مسموع، وأن كرامتهم مصونة، وأن الخطأ يمكن معالجته دون إذلال، وأن الصراحة لا تؤدي إلى العقاب.
الخلاصة
الثقة في المنظمات لا تتآكل بسبب الخطأ وحده، بل بسبب الطريقة التي يُدار بها الخطأ، ويُفسَّر بها الصمت، وتُمارَس بها المسؤولية.
فحين تغيب النزاهة، وتعلو ثقافة اللوم، ويتحوّل الصمت إلى لغة جماعية، تبدأ الثقة في التآكل من الداخل.
أما حين تحضر الحقيقة، ويتحمل كل طرف مسؤوليته، ويجد الناس قيادة عادلة وشجاعة، فإن الثقة لا تُستعاد فقط، بل تصبح أصل من أصول المنظمة تستثمر فيه ويستدام أثرها.







